إنجاز الفراعنة يلهم رؤية وطنية جديدة.. من الانتصار إلى البناء

كتب : هشام علام
لم تكن الاحتفالات التي عاشها المصريون عقب نجاح المنتخب الوطني في كأس العالم مجرد مشاهد عابرة من الفرح، أو لحظات احتفاء بانتصار رياضي انتهت بانتهاء البطولة، بل كانت رسالة أعمق تؤكد أن كرة القدم أصبحت جزءًا أساسيًا من رؤية الدولة لبناء الإنسان وتعزيز القوة الناعمة المصرية.
فالمشهد لم يتوقف عند استقبال الأبطال أو هتافات الجماهير في استاد القاهرة أو صور اللاعبين وسط محبيهم، وإنما حمل دلالة أكبر بأن ما تحقق يجب أن يكون بداية لمرحلة جديدة، تتحول فيها الفرحة إلى مشروع متكامل يعيد رسم مستقبل الكرة المصرية، ويضعها على طريق المنافسة المستمرة، بعيدًا عن النجاحات المؤقتة التي تنتهي بانتهاء المناسبات.
وجاء استقبال الرئيس عبدالفتاح السيسي للجهاز الفني ولاعبي المنتخب ليمنح الإنجاز قيمة إضافية، بعدما حملت تلك الخطوة رسالة واضحة مفادها أن التكريم الحقيقي للأبطال لا يقتصر على الاحتفاء بما تحقق، وإنما يكون بالبناء على هذا النجاح والحفاظ عليه وتحويله إلى قاعدة انطلاق نحو مستقبل أكثر قوة واستقرارًا.
وكانت الرسالة الأبرز أن الإنجاز لا يُقاس ببطولة واحدة أو نتيجة استثنائية، بل بقدرة المنظومة الرياضية على الاستمرار وصناعة أجيال جديدة قادرة على حمل راية المنتخب الوطني لسنوات طويلة، وهو ما ظهر في التأكيد على أهمية استمرار الجهاز الفني بقيادة حسام حسن، إلى جانب التركيز على ملف اكتشاف المواهب في جميع أنحاء الجمهورية.
فاستمرار حسام حسن لم يكن مجرد قرار إداري، وإنما يعكس توجهًا نحو ترسيخ مبدأ الاستقرار الفني، وهو أحد أهم عوامل النجاح في كرة القدم الحديثة. فقد عانت الكرة المصرية خلال سنوات طويلة من كثرة التغييرات الفنية والبحث عن حلول سريعة، بينما تؤكد التجارب العالمية أن بناء المنتخبات القوية يحتاج إلى وقت كافٍ يمنح المدرب فرصة لتكوين شخصية الفريق ووضع أسلوب واضح داخل الملعب.
ومن هذا المنطلق، جاءت الثقة في الجهاز الفني الحالي باعتبارها خطوة منطقية للحفاظ على المكتسبات التي تحققت، واستكمال مشروع بدأ بالفعل، بدلًا من العودة في كل مرة إلى نقطة البداية مع تغيير الأجهزة الفنية.
وخلال الفترة الماضية، نجح حسام حسن في إعادة جانب كبير من شخصية المنتخب المصري داخل الملعب، واستعادة الروح القتالية التي ارتبطت دائمًا بتاريخ الكرة المصرية، كما تمكن من خلق حالة من الانضباط والتماسك بين اللاعبين، وهو ما انعكس على الأداء والنتائج وعلى علاقة الجماهير بالمنتخب التي بدأت تستعيد ثقتها وحماسها بعد فترة من التراجع.
ويمنح استمرار الجهاز الفني فرصة مهمة لاستكمال عملية الإحلال والتجديد، واكتشاف عناصر جديدة قادرة على تمثيل المنتخب خلال السنوات المقبلة، خاصة أن كرة القدم الحديثة لا تعتمد على مجموعة محدودة من اللاعبين، وإنما تحتاج إلى قاعدة واسعة من العناصر الجاهزة القادرة على المشاركة في مختلف الظروف.
وهنا تظهر أهمية توسيع دائرة البحث عن المواهب، وعدم الاكتفاء بالأسماء المعروفة أو اللاعبين الموجودين في دائرة الضوء فقط، لأن مستقبل المنتخبات الكبرى يُبنى دائمًا على اكتشاف عناصر جديدة تمتلك القدرة على التطور وصناعة الفارق.
وفي المقابل، جاءت احتفالات استاد القاهرة لتؤكد أن المنتخب المصري استعاد مكانته في قلوب الجماهير، وأن العلاقة بين الفريق الوطني والمشجعين لا تزال قوية متى شعر الجمهور بوجود فريق يقاتل من أجل القميص ويحمل المسؤولية داخل الملعب.
لقد تحول استاد القاهرة إلى لوحة وطنية رائعة امتزجت فيها الأعلام المصرية بالأغاني والهتافات، وأثبتت الجماهير أنها تمثل عنصرًا أساسيًا في أي مشروع رياضي ناجح، فالجمهور ليس مجرد متابع للمنتخب، بل هو الطاقة التي تمنحه الدافع للاستمرار وتحقيق المزيد من الإنجازات.
لكن الرسالة الأهم التي يجب أن تخرج بها الكرة المصرية من هذه المرحلة هي أن الفرحة وحدها لا تصنع المستقبل، فالنجاحات الكبرى لا تستمر بالاحتفالات فقط، وإنما تحتاج إلى تخطيط طويل المدى ومنظومة متكاملة قادرة على صناعة لاعب جديد كل عام، ومدرب قادر على التطوير، وإدارة تمتلك رؤية واضحة لمواكبة التطور العالمي.
ومن هنا تأتي أهمية ملف اكتشاف المواهب باعتباره حجر الأساس في أي مشروع حقيقي للنهوض بالكرة المصرية، فمصر لم تعانِ يومًا من نقص المواهب، وإنما كان التحدي الأكبر دائمًا هو الوصول إلى هذه المواهب وتوفير البيئة المناسبة لتطويرها.
فالكثير من النجوم خرجوا من قرى ومراكز ومدن صغيرة، وهو ما يؤكد أن الموهبة لا ترتبط بمكان محدد، وأن العدالة في منح الفرص يجب أن تكون جزءًا أساسيًا من أي خطة مستقبلية، حتى لا تضيع مواهب قادرة على صناعة الفارق.
لذلك يجب أن تبدأ المرحلة المقبلة من المدارس ومراكز الشباب والأندية في مختلف المحافظات، عبر منظومة مؤسسية لا تعتمد على الاجتهاد الفردي، مع إنشاء قواعد بيانات حديثة للاعبين المميزين، وتشكيل لجان فنية متخصصة تتابع المواهب بشكل مستمر في جميع أنحاء الجمهورية.
فالهدف ليس فقط اكتشاف اللاعب الموهوب، وإنما صناعة لاعب متكامل يمتلك المهارة والقدرات البدنية والعقلية والشخصية التي تؤهله للمنافسة على أعلى المستويات.