حين تقتل الضحية مرتين.. ثلاث فتيات والسؤال واحد

بقلم/ بيرهان مجدي
ثلاث فتيات .. وسؤال واحد: ماذا تغيّر؟
بعض الضحايا لا يُدفنون مرة واحدة؛ يُدفن الجسد أولاً ، ثم الكرامة تحت ركام الأسئلة والاتهامات والتبريرات.
فيقتلها الجاني مرة، و تنهشها ذئابٌ مُرتدية وجوه الرجال ، ثم يمدّ المجتمع يده إلى ما تبقّى منها ؛ لا لينتشلها، بل ليضع يده على فمه ، ويقف مكتوف اليدين أمام صرختها.
فالخسة والدناءة لا تبدأ حين يفعل الإنسان ما يخجل منه، بل حين يفقد القدرة على الخجل مما يفعل ،حين يفقد المجتمع حساسيته اتجاه الخطأ والقبح، فلا يعود الشر بحاجة إلى أن يتخفى ؛ يكفيه أن يتكرر حتى يصبح مألوفاً.
حينئذِ، تقتل الضحية للمرة الثانية في أزقة المجتمع.
فنيرة أشرف قُتلت لأن قاتلها لم يتقبل رفضها.
وفور موتها، لم يُترك لها حتى حق الصمت؛ فامتدت الأيدي إلى تفاصيل حياتها، كأن المجتمع أراد أن يحاكمها بعد أن عجزت عن الدفاع عن نفسها.
أما فتاة المنصورة في ليلة رأس السنة ، فقد تحولت استغاثة تلك الفتاة إلى مشهد تتقاطع حوله العيون والهواتف؛ فالبعض حاول لمسها ، والبعض اكتفى بخدش حيائها وحريتها بالنظرات، والبعض الآخر حاول إنقاذها، وسط حشود صار بالنسبة إليهم المشهد مادة للتصوير والتداول.
أما في الشيخ زايد، فظهرت فتاة تُقتاد عنوة إلى سيارة، قبل أن تعلن الأجهزة الأمنية ضبط ستة متهمين على خلفية الواقعة.
ثلاث فتيات، وثلاث لحظات خوف ، بصور مختلفة للشيء نفسه:
امرأة تتألم، وعالم ينظر.
لكن ماذا يحدث لنا حين تتكرر هذه الصور؟
في البداية نرتجف.. ثم نغضب ..ثم نتحدث.. ثم تأتي الجريمة التالية والتي تليها ..
حتى تسلل الاعتياد إلى المكان الذي كان يسكنه الذهول.
وهنا لا يفقد الإنسان إنسانيته حين يتحول إلى وحش، ظالم، مغتصب، ومعتدٍ بمفرده ؛ بل يفقدها أيضاً حين يرى الوحش ولا يعود ذلك المشهد يستدعي شيئاً منه..
حين تصبح الصرخة خبراً.. والخوف مقطعاً.. والمأساة مادة للمشاركة.. والضحية وجهاً عابراً على شاشة لا تتوقف.
عندها لا يعود السؤال: من ارتكب الجريمة؟
بل: ماذا فعلت بنا كثرة الجرائم؟
هل جعلتنا الدراما والسينما والمسلسلات أكثر ألفة مع العنف؟
هل جعلتنا الأخبار اليومية نرى القتل والاعتداء شيئاً عادياً ، حتى فقدنا قدرتنا على الصدمة؟
هل حوّلت مواقع التواصل مآسي البشر إلى مشاهات مفتوحة، يتساوى فيها الألم مع أي محتوى آخر ما دام قابلاً للمشاهدة والمشاركة؟ .. أم أن المسألة أعمق من ذلك؟
ماذا فعلت بنا كثرة الجرائم؟
_نيرة لم تعد بيننا.
_فتاة المنصورة عاشت لحظة كان يمكن أن تنتهي بصورة أخرى.
_وفتاة الشيخ زايد خرجت من محنة ستظل تفاصيلها شاهدة على سؤال أكبر من الواقعة نفسها.
ماذا تغيّر؟
لماذا كان الغضب يوماً يهز الشارع، ثم أصبح بعض العنف يمر أمام أعيننا كأنه مشهد آخر في يوم طويل؟
هل تغيّر الناس؟
أم كثرت المشاهد حتى أفسدت فينا قدرة المشاهدة؟
وربما كان السؤال الأشد قسوة:
حين تُقتل امرأة مرة على يد من اعتدى عليها، ثم تُقتل مرة أخرى باللوم، والتشهير، والمشاهدة، والاعتياد.. فهل تنتهي الجريمة عند القاتل؟
أم أن القاتل يرحل ، وتبقى الجريمة تبحث عن شركاء؟.. وهل يجب أن تنتهي بالقتل لكي تعد جريمة كاملة الأركاأم أن القاتل يرحل ، وتبقى الجريمة تبحث عن شركاء؟.. وهل يجب أن ينتهي الأمر بالقتل حتى ندرك أننا أمام جريمة حقيقة؟
..