أخبار

إهداء ل مونيكا رامي ” لا أملكُ الوقتَ لالتقاطِ الصورِ

» بقلم  مونيكا رامى
خمسُ مفرداتٍ متصلةِ المجازِ في جملةٍ غيرِ اعتراضيةِ الفحوى، زلزلتِ الثرى من تحتِ أقدامِ تلكَ الفتاةِ العفويةِ؛ لكنَّ العقيدةَ التي استوطنتْ خفقانَ القلبِ المتأملِ قدِ امتزجتْ والتفاؤلَ، لتكنْ أولى خطواتِ حلمِ الإبقاءِ على النجاحِ يشبهُ ثباتَ الطودِ الذي لا ينزعجُ من قطيعِ الأفكارِ العابرِ فوقَ مآربِ الرمالِ الملتهبةِ بحرارةِ الإصرارِ على المواجهةِ.
مونيكا.. التي انتفضَ اليراعُ لأجلها وهوَ يبحثُ عنِ اللونِ القرمزيِّ ليزينَ بهِ صواعَ الظمأِ الأدبيِّ في لهفةٍ منِ الشغفِ، تلكَ التي برهنتْ بإرادةٍ عنْ حقيقةِ الاختبارِ القاسي؛ حينما عصفتْ بقواها النحيلةِ الأوجاعُ الماهرةُ بالعزفِ على تيارِ الألمِ، إلا أنَّ أوانَ الوردِ قدِ اشتاقَ لأنْ يحتضنَ تلكَ المساعيَ، فاستطاعتْ أنْ تتعايشَ معَ تقلباتِ الصراعِ دونَ أنْ تلقيَ بنفسها في بؤرةِ الاستسلامِ.
لمْ تكنْ رحلةُ أميرةِ الوعاءِ الإنسانيِّ غيرِ الفارغِ شارةَ تألقٍ بلْ هالةَ ألقٍ وضاءةً، تكيفتْ منْ وجدانِ «مونيكا رامي»؛ الأيقونةِ المصريةِ التي حاربتْ بصليلِ بتارٍ توغلَ داءِ السرطانِ، وبادرتْ بقطعِ عنقِ هذا الغولِ المتوحشِ، متأصلةً جذورهُ بلا نبتةٍ أخرى.
قدْ يتبادرُ إلى الأذهانِ: لماذا لمْ تستبدلْ بالعبارةِ الخماسيةِ ثنائيةٌ مختصرةٌ لا ترهقُ العقلَ في التفكيرِ مثلُ: “رحلتي والمرضُ”؟ لكنْ؛ حينما يتحدثُ السيرُ «مجدي يعقوبُ» لفتاةٍ حالمةٍ ذاتِ حدسٍ متفردٍ، حينذاك يشتدُّ قوسُ الرامي في حيرةٍ: هلْ يتمكنُ مقبضي منَ الثباتِ حتى nفاذِ السهمِ منْ مضجعهِ ليخترقَ التوقعاتِ؟ تلكَ النصيحةُ المتوهجةُ بينَ ذراتِ الوجودِ التي منحها البروفيسورُ المصريُّ أسعدتِ الفتاةَ بعدَ استيعابها أنَّ قامةً بحجمِ هذا الفذِّ ليسَ لديها وقتٌ لالتقاطِ الصورِ التذكاريةِ؛ بعدَ أنْ وهبَ حياتهُ لإزالةِ الخطرِ الناجمِ عنْ كلِّ انتكاسةٍ. وجعُ الأفعالِ هوَ الذي يبقى كمحركِ الوقودِ لأجنحةِ السلامِ.
لستُ منْ هواةِ السردِ المطولِ ولا الإسهابِ المعنونِ، وإنْ كانَ الإطنابُ لهُ مني منزلةُ العشقِ للوصولِ إلى المرامِ دونَ اعوجاجٍ؛ إلا أنني أمامَ طموحٍ استشفائيٍّ بلا سقفٍ! مونيكا تصعدُ الأدراجَ فوقَ أطوارِ البهجةِ، تضفي في عيدِ ميلادها حالةً تستحضرُ الأملَ في مستشفى سرطانِ الأطفالِ، وكأنَّ النجومَ قدِ اخترقتِ الحيزَ الجغرافيَّ للمكانِ؛ لينتقلَ الشيءُ المعتمُ إلى كويكبٍ آخرَ في بعدٍ متزنٍ بعيداً عن_وتيرةِ الصراعِ الداخليِّ المحاطِ ببعضِ دلالاتِ الاستسلامِ للمرضِ اللعينِ.
استطاعتْ أنْ تسردَ تجربتها في مشروعِ التخرجِ بكليةِ الإعلامِ – جامعةِ القاهرةِ – بعنوانٍ عالقٍ بالأذهانِ، بمقدارِ ما كانتْ تتواصلُ بهِ معَ صفحاتِ الحاضرِ لبناءِ الدعمِ النفسيِّ للأطفالِ، تهدي منحةَ التفاؤلِ بعدَ محنةٍ بينَ رحايا الشجنِ.
منَ الجديرِ بالملاحظةِ أنَّ قيمَ التسامحِ معَ النفسِ والتصالحِ معَ بطشِ الإعصارِ الموجعِ كلاهما يشبهُ رهامَ المطرِ لكنْ بشكلٍ غيرِ مستمرٍّ، واستطلاعُ المرشدةِ في فريقٍ تلونَ بغطاءٍ واحدٍ هوَ الأملُ يعتبرُ إحدى محاولاتِ تعزيزِ السلوكياتِ بالوعيِ لتنميةِ مهاراتِ التوازنِ المجتمعيِّ؛ دلالةً غيرَ إحصائيةٍ لكنها حصريةٌ، مثلَ غصنٍ يتدنى فيثمرُ منْ عقولٍ نضرةٍ لطرحِ فكرةِ الاستبقاءِ على الطعامِ؛ تأسيساً للفكرِ الاقتصاديِّ حتى نحتميَ لوْ أقبلتْ علينا سنواتٌ عجافٌ. لمْ تستسلمْ للعاداتِ غيرِ المرضيةِ، إنما اصطدمتْ بالواقعِ دونَ إراقةِ قطرةِ حزنٍ؛ واستبدلتْ أشواكَ المخاطرِ بالعطرِ العنبريِّ وعقالٍ أبيضَ يأبى النقاطَ السوداءَ.
عثرةُ السرطانِ لمْ تكنْ تشبهُ المتاريسَ المغلقةَ في وجهِ «مونيكا رامي جمالٍ»، تلكَ الفتاةِ المصريةِ، ومنْ ثمَّ فإنَّ الثغراتِ الإعيائيةَ لمْ تستطع_أنْ تُعَرْقِلَ حلميِ الشفاءِ والتواجدِ بقوةٍ على الساحةِ الإعلاميةِ. حملتْ روحها الأنيقةُ باقةَ الوردِ الحمراءِ الذي يزدهرُ منْ لونهِ الوجدُ أعلى درجاتِ الاشتياقِ؛ في إطلالةٍ رمزيةٍ بمشروعِ التخرجِ جاءت_كنايةً عنْ لهفةِ الاستمراريةِ. كرمتْ رائدةُ الأملِ منْ لجنةِ العلاقاتِ العامةِ والإعلانِ بكليةِ الإعلامِ بشهادةِ تقديرٍ ثمنتْ رؤيتها بمقدورٍ لمْ يكنْ وصولها للقمةِ صدفةً وهيَ ما زالتْ غزالاً شارداً في مهدِ الطريقِ، إنما لغةُ الحوارِ الابتكاريِّ لمستْ عواطفنا الجياشةَ. بعدَ ترقبٍ، جاءَ لقاؤها بمعالي وزيرِ التعليمِ العالي والبحثِ العلميِّ الأستاذِ الدكتورِ «أيمنَ عاشورٍ»؛ مما جعلَ لأقوالها مردوداً إيجابياً فرضَ هيمنةً بعدَ إسداءِ النصيحةِ منْ أكاديميٍّ مخضرمٍ: التركيزُ على تطويرِ المهاراتِ بكافةِ أنواعها. وتناولَ الحوارُ ركيزةَ التحالفِ بينَ الجامعاتِ والمؤسساتِ الصناعيةِ، وشملَ في لغةٍ رصينةٍ التطرقَ إلى الذكاءِ الاصطناعيِّ والطاقةِ النوويةِ؛ دلالةً على إرساءِ قواعدَ جديدةٍ في لغةِ الحوارِ الابتكاريِّ ذي الفرضيةِ اللفظيةِ بقدراتٍ إعلاميةٍ واسعةِ الاطلاعِ قامتْ بها مونيكا وهيَ تعانقُ النجاحَ.
محاولةُ رسمِ البهجةِ بينَ زوايا الغرفةِ المعبؤةِ برائحةِ الألمِ رسالةٌ إنسانيةٌ تروجُ إلى روحِ الدعابةِ، لمْ تكن_مواساةً بقدرِ التحالفِ معَ الأملِ، وعقدِ اتفاقٍ متوازنٍ بطلتهُ الحقيقيةُ هيَ التي مكنتْ روحَ الدعابةِ منَ اختراقِ هويةِ الفشلِ وهزيمةِ اللعنةِ السرطانيةِ على الجسدِ؛ فالانتصارُ الذي صورتهُ هوَ تغييرٌ للمشهدِ بعدَ تبني فكرةِ تحقيقِ الاندماجِ في المجتمعِ مرةً أخرى بعدَ خوضِ تجربةِ التماثلِ للشفاءِ.
سطرَ لها التاريخُ بكلِّ لغاتِ الرحمةِ مبادرتها السنويةَ الرمضانيةَ في احتفاءٍ بالأحبةِ أبطالِ التحدي، جسدتْ ملحمةً منَ الرقائقِ المشعةِ بالتعاطفِ، رافضةً دموعَ الانهيارِ؛ تقمصتْ كلماتِ طبيبِ القلوبِ الدكتورِ «مجدي يعقوبَ» الرنانةَ، وخلصتْ منها بضحكةِ أملٍ سكنتْ ملامحها الطفوليةَ لتكنْ موطناً مشتعلاً يصاهرُ الحماسَ حتى لحظةِ الاستشفاءِ المتحققِ والمنتظرِ لمنْ يأملُ الخيرَ في الغدِ المقبلِ. بينَ رحايا الضعفِ والاستسلامِ قوةٌ خارقةٌ تسمى العزيمةَ المطلقةَ؛ جللٌ منَ النصرِ بعدَ النقاهةِ وتخطي حدودِ الضعفِ!
ماراثونُ السباقِ الإعلاميِّ، والحديثُ بكلِّ فخرٍ عنْ مصرَ، ولقاءٌ رتيبٌ مهندمٌ غيرُ رثِّ الملامحِ معَ أعلى رتبةٍ في الكنيسةِ القبطيةِ الأرثوذكسيةِ، وحوارٌ قدِ امتازَ صانعهُ بذكاءِ الداهيةِ في دربٍ غيرِ مكتئبٍ، يتحدثُ فيهِ بأريحيةٍ البابا «تواضروسُ الثاني» معَ سيدةِ التفاؤلِ ودرةِ الحمايةِ مونيكا، التي أثارتِ التساؤلاتِ عنْ دورِ الكنيسةِ في العالمِ المعاصرِ، ودورها في الحفاظِ على التراثِ اللغويِّ القبطيِّ؛ لتفاجئَ مدعي فكرةِ حداثةِ المواطنةِ بمقولةٍ عنقوديةِ الجمالِ أبهرتْ مسامعنا بجزليةِ التصويرِ الفعليِّ: “إنَّ الدورَ الخدميَّ الخارجيَّ للكنيسةِ يقدمُ بحبٍّ لكلِّ المصريينَ دونَ النظرِ إلى الانتماءِ العقائديِّ”.
مصرُ في وجدانِ مونيكا وهيَ تتحدثُ بفخرٍ عما تقدمهُ الجاليةُ المصريةُ الأمريكيةُ على الصعيدِ الثقافيِّ، بعزفِ لغةِ الهويةِ الوطنيةِ في حبِّ مصرَ. ثمَّ انذرفَ الدمعُ يبكي المشاعرَ التي تشبهُ الارتعاشَ دونَ رعونةِ الخوفِ منْ ضيقِ الصدرِ، وفي لحظاتِ الحزمِ لغةُ الشروقِ يقابلهُ الغروبُ؛ إنهُ الرحيلُ الأبديُّ للسرطانِ! جسدتْ رحلتها مدى ارتباطها بالأسرةِ وتأثيرِ الأبِ والأمِّ وأخيها بطريقةٍ مباشرةٍ، جعلتْ منْ تجربتها معَ الألمِ منافسةً حرةً انتهتْ بهزيمةٍ ثقيلةٍ على غرارِ القبضةِ القاضيةِ للمصارعِ الأسطوريِّ «محمدِ علي كِلاي». ثمَّ تصورُ مونيكا مصرَ بأميرةِ الشواطئِ الرمليةِ؛ استنتاجاً منْ حديثٍ يراودُ الموجَ الأزرقَ عنْ نفسهِ معَ اللواءِ «خالدِ مباركٍ» محافظِ جنوبِ سيناءَ، وهوَ يتناولُ بمفردةِ الثقةِ كيفَ تتبادلُ أوْ تتناولُ الأنشطةُ السياحيةُ في مدينةِ السلامِ معَ باقي عواصمِ العالمِ.
إذا كانَ العالمُ لا يستطيعُ رؤيةَ ارتجافِ الأفكارِ المشبعةِ بمحنِ الانتكاساتِ واختلاطِ الدمعِ بالشجنِ؛ فإنَّ حلمَ النجاةِ الذي يمكثُ داخلَ رحمِ حنينِ التعافي قادرٌ على حملِ العالمِ إلى شاطئٍ يدركُ فيهِ قيمةَ النجاحِ.
الكاتبُ/ محمدُ إبراهيمَ الشقيفيُّ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى