رياضة

قميص الأساطير.. كيف انتقل الرقم 10 من مارادونا إلى ميسي؟

 

 

كتب : هشام علام

يستعد أسطورة كرة القدم الأرجنتينية ليونيل ميسي لخوض آخر مباراة دولية له بقميص منتخب الأرجنتين، بعدما أعلن اعتزاله اللعب الدولي عقب أيام من نهاية كأس العالم 2026، التي تُوّج بلقبها المنتخب الإسباني للمرة الثانية في تاريخه.
ومن المنتظر أن يظهر ميسي للمرة الأخيرة مع «التانجو» عندما يواجه منتخب بنين وديًا، صباح الأربعاء المقبل، على ملعب «مونومنتال» في العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس، معقل نادي ريفر بليت.
ومع إسدال الستار على مسيرة ميسي الدولية، يبرز سؤال مهم داخل الكرة الأرجنتينية: هل يمكن حجب القميص رقم 10 الذي ارتداه النجم التاريخي، تخليدًا لإرثه الكبير مع المنتخب؟
الفكرة تبدو منطقية للغاية بالنسبة للأرجنتينيين، بعدما ارتبط القميص رقم 10 بأبرز إنجازات ميسي مع المنتخب، حيث ارتداه خلال التتويج بكوبا أمريكا عامي 2021 و2024، إلى جانب قيادة الأرجنتين للفوز بكأس العالم 2022 في قطر.
وبذلك، أصبح القميص رقم 10 جزءًا أساسيًا من حقبة تاريخية في كرة القدم الأرجنتينية، بعدما ارتبط لعقود بأسطورة أخرى هي دييجو مارادونا، قبل أن يرثه ميسي ويضيف إليه فصلًا جديدًا من المجد.
لكن رغبة الأرجنتين في تخليد قميص ميسي تواجه عقبة سبق أن اصطدمت بها البلاد قبل أكثر من عقدين، عندما حاول الاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم حجب القميص رقم 10 تكريمًا لمارادونا.
في أكتوبر 2001، قرر الاتحاد الأرجنتيني حجب القميص رقم 10 تقديرًا لمارادونا، الذي ارتدى الرقم خلال أربع نسخ من كأس العالم، وقاد بلاده للتتويج باللقب العالمي في المكسيك عام 1986.
وعندما اقترب موعد كأس العالم 2002 في كوريا الجنوبية واليابان، حاولت الأرجنتين تنفيذ القرار على أرض الواقع، حيث ارتدى أرييل أورتيجا القميص رقم 23 بدلًا من الرقم 10، بينما حصل الحارس الثالث روبرتو بونانو على القميص رقم 24.
وبهذه الطريقة، تمكنت الأرجنتين من إعداد قائمة تضم أرقامًا من 1 إلى 9، ومن 11 إلى 24، دون وجود اللاعب الذي يحمل القميص رقم 10.
وفي 22 مايو، خرجت تقارير من معسكر المنتخب الأرجنتيني تفيد بأن الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» وافق على هذا الترتيب، خاصة أن قائمة المنتخب كانت تضم 23 لاعبًا، ولم يكن أي منهم يحمل الرقم 10.
فبعد موافقة اللجنة المنظمة لكأس العالم على الطلب، كان يتعين عرض القرار على اللجنة التنفيذية لـ«فيفا». وبعد أربعة أيام فقط، وتحديدًا في 26 مايو، اجتمعت اللجنة التنفيذية في العاصمة الكورية سيول، ورفضت الاستثناء، ليعلن جوزيف بلاتر، رئيس «فيفا» آنذاك، أن الأرجنتين مطالبة بإعادة القميص رقم 10 إلى قائمة الفريق.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ وجد بلاتر طريقة طريفة للتعليق على الموقف.
فروبرتو بونانو كان قد حصل على القميص رقم 24 تحديدًا حتى تتجنب الأرجنتين منح رقم مارادونا للاعب آخر، لكن بلاتر مازح قائلًا إن الحارس يستطيع ارتداء القميص رقم 10 بدلًا من ذلك.
وكانت إشارة بلاتر واضحة إلى هدف مارادونا الشهير بـ«يد الرب» أمام إنجلترا في كأس العالم 1986، في تلميح ساخر إلى أن الحارس الذي يرتدي الرقم نفسه سيكون قادرًا على استخدام يديه على الأقل!
لكن الأرجنتين لم تأخذ بهذا الخيار، إذ أعاد المدرب مارسيلو بيلسا القميص رقم 10 إلى أرييل أورتيجا، بينما عاد بونانو إلى الرقم 23، ليظهر قميص مارادونا مجددًا ضمن قائمة المنتخب قبل انطلاق البطولة.
وتسببت الواقعة أيضًا في فتح نقاش داخل «فيفا» بشأن نظام ترقيم قمصان المنتخبات في البطولات الكبرى.
واقترح بلاتر آنذاك إمكانية السماح للمنتخبات مستقبلًا باستخدام نطاقات أوسع من أرقام القمصان، مثل الأرقام من 1 إلى 25، أو من 1 إلى 30، أو حتى من 1 إلى 100.
لكن التغيير لم يكن ممكنًا قبل مونديال 2002، ولذلك اضطرت الأرجنتين في النهاية إلى الالتزام بالقواعد المعمول بها.
ورغم أن قواعد ترقيم القمصان شهدت تغييرات منذ ذلك الحين مع زيادة أعداد اللاعبين في قوائم كأس العالم، فإنها لا تزال تضع قيودًا واضحة أمام فكرة حجب أحد الأرقام.
وتنص لوائح كأس العالم 2026 على السماح للمنتخبات بقائمة نهائية تضم بين 23 و26 لاعبًا، فيما تنص المادة 29.1 على تخصيص الأرقام من 1 إلى 26 فقط للاعبين، مع تخصيص الرقم 1 لحارس مرمى.
وبالتالي، لا تستطيع الأرجنتين، في ظل القواعد الحالية، اختيار قائمة تضم 26 لاعبًا في كأس العالم وترك القميص رقم 10 شاغرًا.
بمعنى آخر، يستطيع الاتحاد الأرجنتيني اتخاذ قرار رمزي بعدم منح قميص ميسي لأي لاعب، لكنه لا يستطيع تطبيق هذا القرار داخل كأس العالم إذا تعارض مع لوائح «فيفا».
الوضع يختلف في المباريات الودية، التي لا تخضع بالضرورة لنظام ترقيم القمصان نفسه المعتمد في كأس العالم.
وبالتالي، يمكن للأرجنتين ترك القميص رقم 10 دون استخدام في المباريات التي تسمح لوائحها بذلك، وهو ما يمنح الاتحاد الأرجنتيني فرصة للحفاظ على القميص كرمز لإرث ميسي وتكريم لمسيرته، دون أن يكون مضطرًا إلى منحه مباشرة للاعب آخر.
أما بطولة كوبا أمريكا، فتضيف تعقيدًا آخر، باعتبارها تخضع لإشراف اتحاد أمريكا الجنوبية لكرة القدم «كونميبول».
وكانت لوائح نسخة 2024 تسمح أيضًا باستخدام الأرقام من 1 إلى 26، مع تخصيص الرقم 1 لحارس مرمى، ما يعني أن قرار الاتحاد الأرجنتيني بحجب القميص رقم 10 لن يكون كافيًا بمفرده لإزالة الرقم من قائمة المنتخب في البطولة.
وتبقى تجربة مارادونا هي السابقة الأبرز التي تكشف صعوبة المهمة.
فالكرة الأرجنتينية كانت قد قررت بالفعل أن القميص رقم 10 أكبر من أن يُمنح لأي لاعب آخر بعد اعتزال مارادونا، وحاولت إبقاء الرقم خارج قائمة كأس العالم 2002، بل اعتقدت لفترة قصيرة أن «فيفا» وافق على الأمر، قبل أن يتراجع الاتحاد الدولي عن موافقته ويجبر الأرجنتين على إعادة الرقم إلى القائمة.
وفي النهاية، ارتدى أرييل أورتيجا القميص، واستمر الرقم 10 في الظهور ضمن قوائم المنتخب الأرجنتيني.
والآن، وبعد أكثر من عقدين، يقف ميسي في المكان نفسه تقريبًا.
فمارادونا قاد الأرجنتين إلى لقبها العالمي الثاني، بينما قاد ميسي المنتخب إلى لقبه العالمي الثالث. وبين الإنجازين، عاش ميسي سنوات طويلة من خيبات الأمل مع المنتخب، قبل أن ينجح في كسر لعنة الألقاب بالتتويج بكوبا أمريكا عام 2021، ثم الاحتفاظ باللقب في 2024، وأخيرًا رفع كأس العالم في قطر.
قد يتمكن الاتحاد الأرجنتيني من إبقاء القميص رقم 10 دون استخدام في بعض المناسبات، كلما سمحت اللوائح بذلك، ليظل الرقم شاهدًا على واحدة من أعظم مسيرات كرة القدم في تاريخ المنتخب.
لكن إذا تأهلت الأرجنتين إلى كأس عالم جديدة في ظل القواعد الحالية، فلن يكون بمقدورها ترك الرقم 10 خارج قائمة الأرقام المخصصة للاعبين.
وهكذا، يبدو أن التاريخ يعيد نفسه: الأرجنتين حاولت قبل أكثر من 20 عامًا حماية قميص مارادونا من أن يرتديه أي لاعب آخر في كأس العالم، لكن «فيفا» أوقف المحاولة.
واليوم، وبعد أكثر من عقدين، يواجه قميص ميسي المصير نفسه.. فهل ينتصر إرث الأسطورة أمام صرامة لوائح «فيفا»؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى