من الاشتباك إلى المصالحة.. القصة الكاملة لأغرب قمة بين الأهلي والزمالك

كتب : هشام علام
في 14 مارس 1975، لم تكن مواجهة الأهلي والزمالك مجرد مباراة كلاسيكية في ختام موسم كروي، بل كانت قمة استثنائية حملت عنوان «دوري خاص»، بعدما حسم الأهلي لقب الدوري مبكرًا، لكنه دخل مواجهة الغريم التقليدي وسط أجواء مشحونة، انتهت بأحداث درامية واشتباكات بين اللاعبين، وقرارات تأديبية من اتحاد الكرة المصري.
قبل أربعة أسابيع من نهاية المسابقة، نجح الأهلي في حسم لقب الدوري، بعدما تغلب على الترسانة وحصد نقطتي الفوز، ليواصل موسمه الاستثنائي دون هزيمة. فقد تعادل الفريق في خمس مباريات فقط، وحقق الفوز في باقي مواجهاته، مسجلًا 63 هدفًا، بينما استقبلت شباكه ثمانية أهداف.
ورغم ضمان اللقب، رفض المدير الفني للأهلي، هيديكوتي، السماح للاعبيه بالاسترخاء، مطالبًا إياهم بنسيان التتويج والتركيز في المباريات المتبقية، ومؤكدًا أن مشوار الدوري لن ينتهي إلا بمواجهة الإسماعيلي في الأسبوع الرابع والثلاثين.
في المقابل، احتل الزمالك المركز الخامس، بعدما حقق 15 انتصارًا، وتعادل في سبع مباريات، وتلقى سبع هزائم، وسجل لاعبوه 45 هدفًا، مقابل 18 هدفًا سكنت شباكه
مع اقتراب موعد المباراة، رفع الزمالك درجة الاستعداد إلى أقصى مستوياتها، ودخل لاعبوه معسكرًا مغلقًا داخل النادي، في محاولة لتجهيز الفريق بالشكل الأمثل للمواجهة المرتقبة.
ولم تتوقف الاستعدادات عند التدريبات المعتادة، إذ رفضت إدارة النادي إقامة مباراة كأس مصر بين الإسماعيلي والطيران على ملعب الزمالك، لإتاحة الفرصة أمام الفريق لخوض مباراة تجريبية أمام نادي مؤسسة الأدوية، استعدادًا للصدام المنتظر مع الأهلي.
في تقرير نشرته صحيفة «الأهرام» يوم 14 مارس 1975، تناول الكاتب الصحفي إسماعيلي البقري استعدادات الفريقين، مشيرًا إلى أن الأهلي يخوض المباراة بثقة كبيرة، مستندًا إلى تفوقه الفني على المستويين الدفاعي والهجومي، إلى جانب الاستقرار الواضح في تشكيلته.
وضمت قائمة الأهلي آنذاك إكرامي، وهاني، وحسن حمدي، ومصطفى يونس، وفتحي مبروك، وطاهر الشيخ، ومحسن صالح، وجمال عبد العظيم، ومصطفى عبده، ومحمود الخطيب، وزيزو.
على الجانب الآخر، أشار التقرير إلى أن الزمالك عانى من التغييرات المتكررة في تشكيلته منذ بداية الموسم، قبل أن يستقر على مجموعة ضمت هشام، ومحمد صلاح، ومحمد توفيق، وغانم سلطان، وسامي منصور، وطارق غنيم، وفاروق جعفر، وحسن شحاتة، وجميل حسب الله، وعلي خليل، وحلمي طولان.
ورغم اختلاف ظروف الفريقين، خلص البقري إلى أن نتيجة القمة ستظل معلقة حتى صافرة النهاية، في مواجهة وصفها بأنها «دوري خاص».
انطلقت المباراة ظهر يوم 14 مارس على استاد القاهرة، وسط أجواء متوترة انعكست بوضوح على أداء اللاعبين، إذ طغت الخشونة والمشاحنات على فترات طويلة من اللقاء.
وتوقفت المباراة 27 مرة بسبب الأخطاء والضربات الحرة ورميات التماس، كما أشهر الحكم إنذارات في وجه سامي منصور من الزمالك، ومصطفى عبده ومصطفى يونس من الأهلي، في مشهد عكس صعوبة السيطرة على أعصاب اللاعبين منذ الدقائق الأولى.
ومع انطلاق الشوط الثاني، ازدادت حدة التوتر، بعدما حصل محمد توفيق على إنذار إثر احتكاكه بزيزو، قبل أن ينال كل من زيزو وحلمي طولان إنذارين بسبب الخشونة، ثم حصل إبراهيم عبد الصمد على إنذار آخر، لتدخل المباراة مرحلة أكثر اشتعالًا انتهت بطرد لاعبين من الفريقين.
في تقريره المنشور بالصحيفة، استخدم إسماعيلي البقري وصفًا قاسيًا لما شهدته المباراة، معتبرًا أنها تحولت إلى «مهزلة أخلاقية»، خصوصًا خلال الربع ساعة الأخير، الذي شهد تصاعدًا خطيرًا في حدة الاشتباكات.
وبحسب روايته، بدأت شرارة الأحداث باعتداء إبراهيم عبد الصمد، لاعب الأهلي، على الخواجة، لاعب الزمالك، ليشهر الحكم البطاقة الصفراء في وجهه. وأثار الإنذار غضب عبد الصمد، بعدما كان الإنذار الرابع له، وهو ما كان يعني إيقافه مباراتين.
وعقب احتجاج اللاعب، فوجئ الجميع بتبادل الضربات بين عبد العزيز عبد الشافي، لاعب الأهلي، ومحمد توفيق، لاعب الزمالك، لتتحول أرضية الملعب إلى ساحة اشتباكات، تبادل خلالها اللاعبون اللكمات والضربات، قبل تدخل إداريي الناديين ورجال الشرطة ومسؤولي اتحاد الكرة لاحتواء الموقف.
وأشهر الحكم الإيطالي البطاقة الحمراء في وجه توفيق وزيزو، لكن لاعب الزمالك رفض مغادرة الملعب، ما استدعى تدخل علاء الحامول لإخراجه، قبل أن تستأنف المباراة بعشرة لاعبين لكل فريق.
لم تتوقف المفاجآت عند الاشتباكات والطرد، إذ رفض الفريقان استكمال اللعب بالصورة المعتادة، واتجه اللاعبون إلى تبادل الكرة في منتصف الملعب، طولًا وعرضًا، في مشهد غير مألوف فرض على الحكم إنهاء المباراة دون احتساب وقت بدل ضائع.
وبينما خرجت القمة بصورة بعيدة عن التوقعات الفنية التي سبقتها، حملت الدقائق الأخيرة مشهدًا آخر، بعدما نجح محمود الخطيب وحسن شحاتة في الاتفاق على تهدئة الأجواء، من خلال تبادل الكرة في وسط الملعب، وهو الموقف الذي أشاد به الكاتب الصحفي عباس لبيب في مقاله المنشور بـ«الأهرام».
في مقال حمل عنوان «أضواء على لقاء الأهلي والزمالك.. الحكم قبل المداولة.. من ضرب توفيق؟»، فتح عباس لبيب ملف القرارات التحكيمية المثيرة للجدل، مشيرًا إلى أن بعض نجوم الزمالك، ومن بينهم هشام وغانم، أكدوا أن اللاعب الذي اعتدى على محمد توفيق كان رجب، وليس زيزو، وأن الأمر التبس على الحكم الإيطالي، الذي أشهر البطاقة الحمراء في وجه اللاعب الخطأ، وفقًا لما ورد في المقال.
كما انتقد لبيب أداء الحكم، معتبرًا أن المباراة أفلتت من قبضته منذ بدايتها، وأنه لم يتمكن من السيطرة على عصبية اللاعبين أو الحد من الخشونة المتزايدة.
في اليوم التالي للمباراة، تصدرت الأزمة صفحات «الأهرام»، التي نشرت في عددها الصادر يوم 15 مارس 1975 عنوانًا بارزًا: «الاتحاد يعاقب الأهلي والزمالك بغرامة مالية».
وقرر الاتحاد المصري لكرة القدم فتح تحقيق مع محمد توفيق، لاعب الزمالك، وعبد العزيز عبد الشافي، لاعب الأهلي، على خلفية التصرفات التي شهدتها المباراة.
كما تقرر منع عبد العزيز عبد الشافي من المشاركة مع الأهلي، إلى جانب توقيع غرامة مالية قدرها 500 جنيه على كل نادٍ، في أعقاب الأحداث التي أثارت الجدل عقب القمة.
على الرغم من المخاوف التي انتابت الزمالك بشأن تأثير الأحداث على إيرادات المباراة، بلغت الحصيلة الإجمالية 15 ألفًا و500 جنيه، منها 13 ألف جنيه من مبيعات التذاكر، و2500 جنيه من حقوق البث التلفزيوني.
لكن المشهد الأبرز جاء بعد صافرة النهاية، حين توجه لاعبو الزمالك إلى غرفة ملابس الأهلي، واحتضنوا لاعبي الفريق وهنأوهم بحسم بطولة الدوري، في لفتة عكست أن المنافسة، مهما بلغت حدتها داخل الملعب، لا تمنع الاحترام المتبادل بين اللاعبين.
وبدورهم، توجه لاعبو الأهلي إلى محمد توفيق لمواساته، فيما قبّل زيزو رأس سامي منصور، لتُطوى صفحة واحدة من أكثر مواجهات القطبين إثارة للجدل في سبعينيات القرن الماضي.
هكذا بقيت قمة 14 مارس 1975 حاضرة في الذاكرة، ليس فقط باعتبارها مواجهة جمعت الأهلي والزمالك بعد حسم لقب الدوري، بل بوصفها مباراة بدأت بحسابات فنية وطموحات كروية، وانتهت باشتباكات وقرارات تأديبية، قبل أن تستعيد الروح الرياضية حضورها في المشهد الأخير.