مقالات

ليت الحرم الجامعي يبقى مقدساً

كتبت : ا . د / أمل عبدالله
شهدت احدي الجامعات الحكومية مؤخراً ضجة واسعة في أوساط الطلاب وأعضاء هيئة التدريس على خلفية الندوة التثقيفية التي استضافت الفنان الكوميدي محمد ثروت فبدلاً من أن تشكل هذه الفعالية منارة ثقافية وفكرية تليق بصرح أكاديمي عريق تحولت للأسف إلى مسرح لتقديم محتوى هابط وأسلوب حوار متدن يفتقر إلى أبسط قواعد اللياقة والتهذيب ناهيك عن التجاوز الصارخ في حق قدسية الحرم الجامعي.

الجامعات ليست مجرد مباني تمنح فيها الشهادات بل هي حصون للعلم وقلاع للقيم ومنابر للرقي الإنساني والأخلاقي وحين تستضيف الجامعة اسما فنيا فإن الغاية المرجوة هي إثراء عقول الطلاب بتجارب ملهمة أو نقاشات هادفة ترتقي بالذوق العام.
لكن ما حدث في هذه الندوة جاء مخيبا للآمال تماما فقد طغى على حوار الضيف الألفاظ غير اللائقة والتلميحات الخارجة والأسلوب الهزلي الذي يتماشى مع السهرات الشعبية الهابطة لا مع مدرجات دراسية يعتليها طلاب العلم لقد تعامل الضيف مع عقول شباب الجامعة بمنتهى الاستخفاف محولاً الصرح الأكاديمي إلى مساحة عشوائية تستباح فيها هيبة المكان وأعرافه.

إن أخطر ما في هذه الواقعة ليس فقط الأداء الهابط للفنان بل الاستباحة الواضحة لحرمة الجامعة فالحرم الجامعي له هيبته التي تستمد وقارها من العلم والعلماء وتدنيس هذا الحرم بنشر ثقافة الإسفاف واستخدام لغة الشارع المبتذلة يوجه طعنة لرسالة التعليم العالي.
وتتحمل إدارة الجامعة جزءاً كبيراً من المسؤولية الأدبية فالتنظيم الجيد والاختيار الواعي للضيوف هما خط الدفاع الأول عن عقول الطلاب إن فتح الأبواب أمام شخصيات تقدم محتوى هابط يرسل رسالة سلبية للشباب تعني أن الابتذال هو طريق الشهرة والقبول.
إن ما حدث في جامعة بني سويف هو انعكاس مؤسف لحالة “التسليع الثقافي” التي تسيطر على الساحة الفنية اليوم حيث يقدم الترفيه الرخيص على حساب المضمون الراقي ان الفنان الحقيقي هو الذي يحترم جمهوره أينما كان وإذا كان احترام الجمهور العام واجبا فإن احترام طلاب الجامعات وأساتذتها داخل قاعات الدرس فرض لا غنى عنه.
نحن لا نعترض على الكوميديا أو البساطة في الحوار بل نرحب بها بشرط أن تظل داخل حدود الإطار الأخلاقي والذوق العام أما النزول بمستوى الحوار إلى لغة الشارع والتهريج الفج فهو إهانة لجمهور حضر ليستفيد لا ليتلقى إساءات لفظية وتلميحات غير مقبولة.
فالجامعة خط أحمر يجب على إدارات الجامعات المصرية أن تضع معايير صارمة وواضحة للفعاليات الثقافية والفنية لا بد من مساءلة المقصرين ووضع ضوابط تحمي هيبة الحرم الجامعي وتضمن ألا تتحول مدرجات العلم إلى مجال للابتذال الرخيص.
في النهاية يبقى الأمل معقوداً على وعي الطلاب أنفسهم الذين أثبت الكثير منهم رفضهم لهذا المستوى المتدني فالشباب الجامعي يمتلك من النضج ما يجعله قادراً على التمييز بين الفن الراقي الهادف وبين الاستخفاف بالعقول الذي لا يترك خلفه سوى الأسف وخيبة الأمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى