مقالاتتعليم
أخر الأخبار

علمٌ يُهدى وأثرٌ يبقى

المعلم والأستاذ بين بصمة في العقل وأثر في القلب

بقلم د/ نهى جابر

 

كم من معلمٍ في مدرسة وأستاذٍ في جامعة يرى أن دوره يقتصر على مقرر أو منهج يقوم بتدريسه فقط لأداء العمل المكلف به، دون الإلتفات إلى الطالب والنظر إليه من عدة جوانب، فهناك فرق كبير بين من يُعطي علماً دون ترك أثر ومن يُعطي علماً ليصبح قدوةً حقيقيةً في صناعة الأثر، فالعلم الذي يقدمه المعلم والأستاذ هو البداية للدرس، أما الأثر فهو ما يتبقى بعد انتهاء الدرس.

فالمسؤلية الواقعة على كلاً من المعلم أو الأستاذ تتجاوز حدود الكتاب أو المقرر الدراسي، فالمعلم يساهم في تشكيل شخصية طلابه وطريقة تفكيرهم ونظرتهم للمستقبل،أما الأستاذ فدوره يمتد إلى تكوين عقلية الباحث لدى طلابه ووضع الأساس العلمي لطرح السؤال والبحث، وكيفية النقاش والاختلاف في الآراء باحترام، وكيفية وضع الفروض وتحويلها إلى نظريات قابلة للتطبيق وإضافة كل ما هو جديد.

ولتحقيق هذا التفاعل بين الطالب والمعلم، ف هناك دراسات ركزت على العلاقة بين المعلم والطالب وتأثيرها عبر الزمن في الاندماج الأكاديمي والتحصيل والتسرب من التعليم، ووجدت ارتباطات مهمة بين جودة العلاقة وبين الاندماج الأكاديمي على المدى الطويل، لهذا أقول أن بناء العلاقة مع الطالب تأتي أولاً من الجسر الذي يقوم المعلم ببنائه معه جسرٌ يقوم على التعامل برقي واحترام وتقدير مجهود الطالب وعدم التقليل من شأنه في أي موقف حتى في حالة عدم الوصول إلى المستوى المطلوب في أي تكليف، فلا بد من عدم التقليل من هذا المجهود، بل على العكس تماماً يجب تشجيعه على الاستمرار حتى لا يفقد الأمل والشغف فيما هو مطلوب منه، والتلفظ بكل ما هو لائق دون التجريح أو التنمر، حتى ولو على سبيل الفكاهة، ويجب الاستماع إلى جميع الطلاب لفتح بوابة النقاش فيما يخص الموضوعات الخاصة بالمقررات أو المشكلات التي تكون في حياتهم الشخصية لصنع أشخاص أسوياء في المجتمع.

أعلم أن هذا للبعض يمكن أن يكون مستحيلاً حكم الأعداد الكبيرة ولكن هذا أمر ضروري لتحقيق الأثر الطيب، ويمكن أيضاً تنفيذه بطرق وأساليب مختلفة، فمثلاً يمكن تحديد أوقات للنقاش داخل المحاضرة، أو في حالة وجود مشكلات شخصية تخص الطلاب، يمكن أن تكون في وقت محدد من الأسبوع، البعض سيقول لست بأخصائي اجتماعي أو نفسي، ولكن في الحقيقة هذا جزء لا يتجزأ من الرسالة التي تقع على عاتق كلاً من المعلم والأستاذ، حتى يكون هؤلاء الطلاب قادرين على التعبير عن أنفسهم من دون خوف من كون المعلم معلماً أو الأستاذ أستاذ، فمجتمع المدرسة أو الجامعة ما هو إلا مجتمع صغير بالمقارنة بمدرسة الحياة، لذلك يكون من الواجبات الأساسية للمعلم أو الأستاذ هو إعداد طالب صالح في المجتمع من جميع الجوانب.

وهناك حكمة قالتها لي أمي في طفولتي: يمكن أن يؤثر فعل شخص في ألف شخص، ويمكن أن لا يؤثر قول ألف شخص في شخص، ومن هنا أقول أن المعلم أو الأستاذ تأثيره لا يكون من خلال ما يقوله فقط وإنما هناك أفعال يمكن أن تلخص دروساً في الحياة الكثير ، لذلك المعلم أو الأستاذ ما هو إلا مرآة للطالب ليس فقط في تحصيل العلم ولكن أيضًا في اتخاذ هذا المعلم أو الأستاذ منهج يحتذى به في الحياة، فالطالب قد ينسى تفاصيل المحاضرة، لكنه قد يتذكر كلمة تشجيع أو موقفاً أو نموذجاً قدمه له أستاذه، وأذكر نفسي وإياكم بأنه ليس كل من علم ترك أثراً وإنما المعلم الحقيقي فهو من يصنع العلم ويصنع الإنسان معاً ومن هنا يبقى الأثر ..بإذن الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى