مقالات

لا تخافوا على مصر

كتب: يوسف عبده

مصر الآن في دائرة الخطر، فهناك تحديات تحيط بها من كل اتجاه؛ من سيناء وإثيوبيا وليبيا وغاز المتوسط، إلى صراعات المصالح والمؤامرات القديمة والمخططات الحديثة. فالإمبراطوريات والصهيونية والقوى الطامعة تسعى إلى محاصرة مصر، وهناك طابور خامس جاهز ومحترف لتنفيذ أي مهام تستهدف أمنها واستقرارها.
لكن لا تخافوا على مصر؛ فمصر العربية العظيمة بتاريخها، والعريقة برجالها، والقوية بشعبها وروحها الوطنية، والراسخة بموقعها الجغرافي وحضارتها الخالدة، هي قلب العالم وملتقى الحضارات والثقافات، ومفترق طرق المواصلات البحرية. وهي الدولة التي تطل على بحرين، الأحمر والمتوسط، وتقع في قارتي آسيا وأفريقيا، ويجري على أرضها أحد أعظم أنهار العالم وأطولها، نهر النيل العظيم، الذي ينبع من الجنوب ليصل إلى البحر المتوسط.
مصر وطن خالد للمصريين، وعماد لأمتها العربية، ورسالة سلام ومحبة لكل الشعوب. فهي مهد التاريخ، ومنها انطلق فجر الضمير الإنساني، وتجلى في قلوب الأجداد الذين أسسوا أول دولة مركزية، ونشأت على ضفاف النيل حضارة عظيمة أبدعت في مختلف العلوم والفنون، قبل أن تعرف الأرض الأديان السماوية الثلاثة. ففي أرض سيناء كلم الله موسى عليه السلام، وعلى أرضها احتضن المصريون السيدة العذراء ووليدها، ثم قدموا آلاف الشهداء دفاعًا عن كنيسة السيد المسيح عليه السلام.
وحين بُعث خاتم المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، وفتح الإسلام قلوب المصريين وعقولهم، استقبلوا الدين الجديد، وأسهموا في نشر قيمه ومبادئه، وظلت مصر على مر العصور حاضنة للأديان والثقافات، ونموذجًا للتعايش والمحبة.
وقد لقنت مصر كل من تآمر عليها دروسًا قاسية، وأثبتت أن إرادة شعبها وجيشها قادرة على مواجهة التحديات. ففي سبيل الله والوطن، خاضت مصر معارك عديدة، وواجهت مؤامرات كثيرة، بدءًا من العدوان الثلاثي عام 1956، حين تحولت بورسعيد إلى رمز للصمود والمقاومة، مرورًا بحرب الاستنزاف التي لقنت فيها القوات المسلحة المصرية العدو دروسًا لا تُنسى، وصولًا إلى نصر أكتوبر العظيم عام 1973، الذي أعاد لمصر والعرب كرامتهم وثقتهم بأنفسهم.
ولم تتوقف مصر عن مواجهة التحديات، فقد أفشلت على مدار تاريخها العديد من المخططات التي استهدفت أمنها ووحدتها، وظلت قادرة على النهوض من جديد مهما اشتدت الأزمات، ومهما تعددت محاولات النيل منها.
ومن دروس التاريخ أيضًا، ما حققه الجيش المصري الباسل في 24 يونيو 1839، حين انتصر على القوات العثمانية في معركة نصيبين على الحدود السورية، وألحق بها هزيمة قاسية، في معركة كشفت عن قوة الجيش المصري وقدرته على تحقيق الانتصارات. وتروي صفحات التاريخ أن إبراهيم باشا احتفل مع قادة جيشه في خيمة قائد القوات العثمانية بعد الانتصار، في مشهد يجسد عظمة الجيش المصري في تلك الحقبة.
إنها دروس من التاريخ تؤكد أن مصر تعرف دورها جيدًا، وتدرك مسؤوليتها تجاه شعبها وأمتها العربية، وتواصل أداء رسالتها الحضارية والإنسانية. فمصر التي صمدت أمام الغزاة، وتجاوزت المحن، وواجهت التحديات عبر آلاف السنين، قادرة على حماية أرضها والحفاظ على هويتها ومكانتها.
فلا تخافوا على مصر، فهي دولة ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، وشعبها الذي صنع الحضارة قادر على حماية وطنه. ومن يفكر في النيل منها، فعليه أن يتذكر دروس التاريخ، وأن مصر لا تُقهر ما دام شعبها وجيشها متماسكين، وما دامت إرادتها الوطنية حية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى