أسرار التواصل الناجح مع الأبناء

كتبت : أ.د/ أمل عبدالله
تعتبر البيئة الأسرية هي المسرح الأول الذي تتشكل فيه ملامح الشخصية للطفل والأساس ليست الإمكانيات المادية بل هي لغة الحوار الهادئ والبناء بين الوالدين والأبناء
وهوليس مجرد سلوك تربوي عابر بل هو شريان الحياة الذي يغذي العلاقة الأسرية بالدفء والأمان ويحمي الأبناء من التخبط في عالم مليء بالمشتتات.
عندما يتربى الطفل في منزل يتقن لغة الحوار ينشأ وهو عنده يقين بأن رأيه مسموع فهذا الأمان يمنعه من البحث عن “أذن تصغي” خارج الأسرة حيث أنه قد يقع ضحية لمصادر غير موثوقة أو علاقات ضارة.
الحوار هو التدريب العملي الأول على التفكير بالمنطق وطرح الأسئلة ومن خلال المناقشة يتعلم الأبناء كيفية التعبير عن مشاعرهم بدقة بدلاً من تفريغها في صورة سلوكيات غاضبة أو انطوائية.
أيضا يتيح النقاش المستمر للأب والأم التعرف على الأفكار الوافدة إلى عقول أبنائهم في مراحل نموهم المختلفة مما يسمح بتصحيح المفاهيم الخاطئة دون الحاجة إلى أساليب الصدام والمواجهة الحادة.
ومن أسرار التواصل الناجح مع الأبناء لابد أن يتحول الحوار من مجرد “أوامر وصياح” إلى عملية تواصل حقيقية ومؤثرة هناك عدة أسرار تربوية تجعل من النقاش تجربة ممتعة ومثمرة منها :
الإنصات الممتلئ بالاهتمام وهو أول أسرار التواصل هو “الاستماع الفعال” لا يقتصر الأمر على سماع الكلمات بل إشعار الطفل بتركيزك الكامل والنظر في عينيه وهو يتكلم والتفاعل مع انفعالاته والإنصات الصادق يرسل رسالة غير مباشرة تعني : “أنت مهم وما تقوله يعني لي الكثير”.
أيضا الانتقال من “التوجيه المباشر” إلى “طرح الأسئلة” فبدلاً من إعطاء إرشادات جاهزة تجعل الطفل في موضع المتلقي السلبي يجب استخدم الأسئلة المفتوحة التي تحفز ذكاءه
أسئلة مثل: (ما الذي جعلك تشعر بهذا؟) أو (لو كنت مكان صديقك، كيف ستتصرف؟)
فهذه الأسئلة تفتح آفاقاً واسعة للنقاش وتجعله شريكاً في الوصول إلى الحل.
كذلك لابد من الفصل بين “السلوك” و”قيمة الطفل” خاصا عند مناقشة أخطاء الأبناء ينبغي ألا يمس الحوار ذات الطفل أو قيمته فالنقد الموجه لشخصيته (مثل: أنت مهمل) يدمر التواصل بينما يجب التركيز على الفعل (مثل: هذا التصرف لم يكن موفقاً كيف نصلحه؟) فهذا يحافظ على جسور الثقة ويدفع نحو التغيير الإيجابي.
ولابد من الاحترام المتبادل وتقبل الاختلاف فالتواصل الناجح لا يعني مطابقة آراء الأبناء لآراء الوالدين فلابد من إعطاء المساحة للابن ليعبر عن رأيه المخالف في موضوع معين ثم مناقشته بالمنطق دون مصادرة حقه في التفكير يعلمه فن الحوار الراقي والتسامح الفكري.
وأخيرا مراعاة تنسيق البيئة والوقت المناسب فلا ينبغي فتح موضوعات شائكة أثناء التعب أو الغضب واختيار الأوقات الهادئة كجلسة شاي مسائية أو أثناء نزهة سريعة فذلك يجعل القلوب أكثر انفتاحاً والأذهان أكثر استعدادا للتقبل.
عزيزي الأب – عزيزتي الأم إن زرع لغة الحوار في منازلنا ليس أمراً يحدث بين عشية وضحاها بل هو استثمار طويل الأجل يتطلب الصبر والممارسة المستمرة وعندما ننجح في جعل أبواب الحوار مفتوحة داخل أسوار البيت نكون قد قدمنا لأبنائنا أثمن هدية وهي شخصية واثقة وعقلا مفكرا وسندا أسريا لا يتزعزع.