قضايا مجتمعيةمقالات

من بناء الأهرامات .. إلى دفع التريلا 70طناً!!

حين تتحد قوى المصريون في لحظة الخطر.

بقلم/ بيرهان مجدي

من بناء الأهرامات إلى دفع التريلا.. المصري يفعلها مجدداً..
هكذا فعلها المصري القديم .. ودفع أجحاراً تجاوز وزنها 20 طناً دون آلات أو معدات واصبحت من عجائب الدنيا السبع .. وهكذا يفعلها المصري اليوم ، وقام بدفع أكثر من 70 طناً بالجهد البشري وحده ، فقط من أجل انقاذ المئات من الأرواح التى لا تربطهم به صلة ولا قرابة، ولم يتوقف ليسأل عن هويتهم ، ولم يعبأ إلا بإنقاذهم ، مؤمناً بأن الشهامة والمروءة لا تحتاجان إلى معرفة الحسب والنسب ، وأن فعل الخير لا يعرف حدوداً .

في بعض اللحظات، لا تحتاج الشعوب إلى الخطب الطويلة كي تعرّف نفسها، بل يكفي مشهد واحد يكشف معدنها الحقيقي، ويذكّرنا بأن التضامن الإنساني لا يزال قادراً على صناعة الفارق في أكثر اللحظات خطورة.

ففي إحدى قرى محافظة الدقهلية ، توقفت شاحنة نقل ثقيلة محملة بأطنان من البضائع فوق قضبان السكة

رأفت فريد حجازي .. سائق الترلا
رأفت فريد حجازي .. سائق الترلا بإحدي القري بمحافظة الدقهلية

الحديد، بعدما تعرضت لعطل مفاجئ ، بينما أصيب قائدها “رأفت فريد حجازي” بأزمة قلبية مفاجئة أودت بحياته داخل مقصورة القيادة.

وفي الوقت الذي كانت فيه الشاحنة تسد الطريق أمام قطار يقترب من موقع الحادث ، بدا المشهد وكأنه سباق مع الزمن؛

في ثوانٍ قليلة كانت تفصل عشرات الركاب عن خطر كان يمكن أن يتحول إلى مأساة واسعة النطاق.

لكن المشهد اتخذ مساراً آخر.

حيث تجمع الأهالي والمارة وقائدو السيارات حول الشاحنة ، وبدلاً من الوقوف موقف المتفرج، قرروا التحرك لإنقاذ الأرواح.
توحدت جهودهم، ودفعت عشرات الأيدي الشاحنة الثقيلة بعيداً عن مسار القطار، حتى أصبح الطريق آمناً ومر القطار دون وقوع الكارثة المتوقعة.

لم يكن أحد بحاجة إلى أن يسأل الآخر عن دينه أو انتمائه أو موقفه من قضية أو رأي؛ ففي مواجهة الخطر، تراجعت كل الخلافات الصغيرة ، وبقي الإنسان في مقدمة المشهد .

صورة من قلب الحدث .. أثناء تكادف المصريون وقاموا بدفع الترلا بعيداً عن قضبان السكة الحديد
صورة من قلب الحدث .. أثناء تكادف المصريون وقاموا بدفع الترلا بعيداً عن قضبان السكة الحديد

وهنا تتجلى إحدى أكثر الصفات رسوخاً في الشخصية المصرية .. “الجدعنة وقت الشدة” .. كما يقولها المصريين.

قد تختلف الآراء ، وقد تتباين المواقف ، وقد تشهد مواقع التواصل الاجتماعي سجالات حادة بين المصريين حول قضايا كثيرة، لكن المواقف الاستثنائية تكشف أحياناً أن ما يجمع الناس أعمق بكثير مما يفرقهم.

ولعل المشهد يستدعي إلى الذاكرة تاريخ المصريين في العمل الجماعي ، وهو تاريخ يمتد إلى آلاف السنين. فالحضارة المصرية القديمة لم تُبنَ بجهد فرد واحد ، وإنما قامت على التنظيم والعمل المشترك وقدرة أعداد هائلة من البشر على إنجاز مشروعات بدت، بمقاييس عصرها، شديدة الصعوبة.

ومن هنا تأتي دلالة المشهد المعاصر؛ فالقوة ليست دائماً في الآلات والإمكانات ، وإنما قد تبدأ من مجموعة من البشر قرروا أن يتحركوا معاً في اللحظة المناسبة .

لم تكن هناك كاميرات سينمائية أو مؤثرات خاصة أو مشاهد مصطنعة. كان هناك خطر حقيقي، وقطار يقترب، وشاحنة ثقيلة، وأناس عاديون قرروا ألا يتركوا الخطر يحدد نهاية القصة.

وفي لحظات كهذه، لا يصبح السؤال .. من فعل ماذا؟ .. بقدر ما يصبح السؤال.. ماذا يمكن للإنسان أن يفعل عندما يرى حياة الآخرين معرضة للخطر؟

اعتقد أن الإجابة جاءت من أهالي الدقهلية واضحة وبسيطة تمس القلوب .. وهي أن يمد الإنسان يده إلى أخيه الإنسان.

وعلي الرغم أن إنقاذ الأرواح كان هو المشهد الأبرز، فإن خلفه قصة إنسانية مؤلمة لا ينبغي أن تُنسى ؛ قصة قائد الشاحنة الذي فقد حياته بصورة مفاجئة ، بينما كان يؤدي عمله ، لتنتهي حياته في اللحظة التي بدأت فيها جهود الآخرين لإنقاذ حياة عشرات الركاب.

رحم الله رأفت فريد حجازي ..وحفظ كل من شارك في إبعاد الخطر عن مسار القطار.

والأن يمكن القول أن الشعب الذي شيد و بنى الأهرامات عبر آلاف السنين من العمل والتنظيم والتكاتف، لا يزال يحمل في لحظات الخطر القدرة نفسها على تحويل الأيدي المتفرقة إلى قوة واحدة لإنقاذ حياة أُناس كانت علي وشك الانتهاء.

حفظ الله مصر وأهلها ، وأدام الرحمة في قلوبهم والنخوة في دروبهم دائماً .. ورحم الله رأفت فريد حجازي، وكل من فقد حياته أثناء أداء عمله ، وجعل ما قدموه في سبيل خدمة الناس والوطن في ميزان حسناتهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى