اقتصاد

ثورة في الصناعة المصرية ، حسن أكيوز .. من النيل إلى الأناضول

إعداد و ترجمة/ بتول أبو النجا

تحول كبير من خلال نموذج صناعي جديد

تشهد الصناعة المصرية تحولًا هادئًا، لكنه واسع النطاق وعميق التأثير.

فاستراتيجية الصناعة الوطنية المحدّثة لا تستهدف إنشاء مصانع جديدة فحسب، بل تسعى أيضًا إلى تعزيز الإنتاج المحلي، وسلاسل التوريد، والقيمة المضافة التي تقف وراء الصادرات.

 

الهدف واضح:

رفع الصادرات غير النفطية إلى 100 مليار دولار بحلول عام 2030.

لكن القضية الحقيقية لا تقتصر على الوصول إلى هذا الرقم.

بل تتمثل في تحديد حجم القيمة المضافة التي سيتم توليدها داخل مصر من أصل هذه الصادرات البالغة 100 مليار دولار.

فالدولة الصناعية القوية ليست مجرد دولة تنتج السلعة النهائية، بل هي الدولة القادرة أيضًا على بناء سلسلة الإنتاج الكاملة التي تقف وراءها.

 

نهج صناعي جديد

في إطار النموذج المصري الجديد، تكتسب الصناعات المكملة أهمية متزايدة إلى جانب القطاعات ذات الأولوية، مثل صناعة السيارات، والأدوية، والمنسوجات، والملابس الجاهزة، والإلكترونيات، والأغذية.

وتشمل هذه الصناعات الحديد والصلب، والآلات والمعدات، ومعدات الطاقة، والسبائك، وغيرها من الصناعات المغذية والمكملة.

ويتمثل الهدف في تصنيع العديد من المنتجات الوسيطة داخل مصر، بدلًا من استيرادها كما يحدث حاليًا.

وقد بدأت تظهر بالفعل أمثلة ملموسة على هذا التوجه. ففي صناعات السيارات والإطارات، تستهدف مصر إنتاج أسلاك تقوية الإطارات الفولاذية، والكربون الأسود، والمطاط، وغيرها من المدخلات الوسيطة محليًا.

أما في قطاع السيارات الكهربائية، فإن توقيع اتفاق بين شركة BME والشركة الصينية CATL لإنشاء منشأة لإنتاج البطاريات يعكس سعي مصر إلى أن تصبح جزءًا من سلسلة إنتاج التقنيات الجديدة، بدلًا من الاكتفاء باستيرادها.

 

وتقوم الفكرة الأساسية على مبدأ واضح:

ليس الهدف مجرد تصنيع منتج، بل إنشاء منظومة صناعية متكاملة داخل مصر تقف وراء إنتاج ذلك المنتج.

 

تحويل المواد الخام إلى منتجات

يُعد تحويل المعادن والخامات إلى منتجات ذات قيمة مضافة أعلى أحد المجالات المهمة في هذا التحول.

وتأتي صناعة المسابك في مقدمة الأمثلة على ذلك.

فالمسابك توفر مدخلات أساسية للصناعات الثقيلة، والآلات، والسيارات، والطاقة، والصناعات الدفاعية.

وفي حين تبلغ قيمة سوق المسابك العالمية نحو 190 مليار دولار، لا تزال قدرات مصر في هذا المجال محدودة نسبيًا.

 

وهنا تبرز فرصة كبيرة:

فمن خلال التكنولوجيا الحديثة، والأتمتة، والصب الدقيق، وبناء شبكة قوية من الصناعات المغذية، يمكن لمصر أن تتحول إلى مركز إقليمي لصناعة المسابك.

 

نموذج جديد للاستثمار

لا يقتصر التحول الصناعي على إنشاء مصانع جديدة.

فمن خلال نماذج طويلة الأجل لتخصيص الأراضي الصناعية، وآليات تمويل جديدة، وصناديق مخصصة للاستثمار الصناعي، تسعى مصر إلى توجيه رؤوس الأموال بعيدًا عن العقارات نحو الإنتاج والتكنولوجيا.

وفي الوقت نفسه، أُطلق صندوق إعادة هيكلة المصانع المتعثرة والمتوقفة برأس مال يبلغ مليار جنيه مصري، بهدف إعادة المصانع المتوقفة عن الإنتاج إلى الدورة الاقتصادية.

ويتمثل الهدف في إعادة استخدام المباني والآلات والبنية التحتية القائمة وتحويلها إلى أصول منتجة من جديد.

لا ثورة صناعية من دون المشروعات الصغيرة والمتوسطة

لا يعتمد نجاح التحول الصناعي في مصر على الاستثمارات الكبرى وحدها.

بل يتطلب وجود مشروعات صغيرة ومتوسطة قوية، وموردين محليين، ونقل للتكنولوجيا، وشبكة من الصناعات المغذية التي تعمل بالتكامل مع الشركات والمصانع الكبرى.

فالدولة الصناعية القوية لا تُبنى على عدد محدود من المصانع الكبيرة فحسب؛

بل تُبنى على آلاف المنتجين الأقوياء.

 

الخلاصة

يشهد التوجه الصناعي الجديد في مصر تحولًا مهمًا.

فلم يعد الهدف مجرد إنشاء المزيد من المصانع، بل أصبح يشمل معالجة المواد الخام، وتصنيع المنتجات الوسيطة، وتطوير الموردين المحليين، ونقل التكنولوجيا إلى البلاد، وإيصال المنتجات المصرية إلى الأسواق العالمية.

 

وباختصار:

الانتقال من تصنيع المنتجات النهائية إلى المنتجات الوسيطة، ومن المنتجات الوسيطة إلى تعميق الإنتاج المحلي.

وهنا تكمن الفرصة الكبرى أمام مصر.

فمن خلال الاستثمارات المناسبة والسياسات الصناعية الفعالة، تستطيع مصر أن تتجاوز دورها كسوق كبيرة، لتصبح مركزًا مهمًا ضمن سلاسل الإنتاج التي تربط بين أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.

وربما يمكن تلخيص هذا التحول كله في جملة واحدة:

إن الثورة الصناعية في مصر تتجاوز بكثير مجرد بناء المزيد من المصانع. فالثورة الحقيقية تكمن في إنشاء منظومة إنتاجية متكاملة تتكامل فيها المصانع ويعزز بعضها بعضًا.

في هذه السلسلة

من المواد الخام إلى المنتجات، ومن المنتجات إلى التصدير

من المصانع المتوقفة إلى الإنتاج من جديد

إعادة بناء الهرم الصناعي في مصر

مصر الجديدة للمستثمرين

مصر الرقمية: الشبكة الجديدة للصناعة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى